
07-May-2008, 03:09 AM
|
|
|
رد: ماذا بقى من العلامـــــــــــــــات؟
{ احفظ الله يحفظك }
الفِسْق هو البعد عن الله تعالى، ويتميَّز الفاسق بتساهله وإهماله وضعف اهتمامه بعواقب عمله، ومن نتائج ذلك الإصرار على الخطأ؛ فمن أصرّ على خطأ بعد أن علِم أو تذكَّر أو انتبه أنَّه خطأ فهو فاسقٌ حتَّى يتوب، والإصرار هو البقاء على الخطأ بلا مبالاة، سواء فعَله أو عزَم على فِعله ولم يفعله ولم يكره فعله ولم يتركه خوفًا من الله تعالى، والخائف لا يبقَى على الخطأ بلا مبالاة، بل هو لا يقع فيه بلا مبالاة، قال الله تعالى في وصف المتَّقين: } والذين إذا فعَلوا فاحشةً أو ظلَموا أنفسهم ذكَروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلاَّ الله ولم يصرُّوا على ما فعَلوا وهم يعلمون {(135 آل عمران) فالمتَّقون يقعون في صغائر الإثم وكبائره كغيرهم من الناس؛ فالكلّ يخطئ والكلّ مقصِّر في حقّ الله تعالى، ومن ظنَّ غير هذا فهو جاهلٌ مغرورٌ بنفسه وعمله، ولكن المتَّقين لا يصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون.
وقوله } على ما فعلوا { بصيغة الماضي يدلُّ على أنَّ الإصرار لا ينتهي بنهاية الفعل، بل يمتدّ حتى يتوب فاعله، لذلك فإنَّ وصف الفسق يبقَى ملازمًا للفاسق ولو كان في طاعة ولو كان في صلاته ما دام هو لم يتب من معصيته، فعدم توبته منها يجعله في حكم المصِرّ عليها ولو كان قد انتهَى منها أو ترَكها منذ زمنٍ بعيد، والتوبة يسبقها الخوف والهمّ ويصاحبها انكسار القلب لله، لذلك تصعب على الفاسق بسبب تساهله وإهماله وضعف اهتمامه، فإذا تاب مِن فِسْقه توبةً صادقة كان ذلك دليلاً على حدوث تغيُّرٍ في قلبه ينفي عنه صفة الفسق، ولا يلزم أن يتذكَّر كلّ إثمٍ وقع فيه ليتوب منه، بل يكفيه أن يتوب من فسقه وعصيانه وتقصيره في حقّ ربّه عزَّ وجلّ وحقّ نفسه، فيندم على ذلك ويعزم على عدم العودة إليه ويبذل الأسباب في سبيل ذلك ويعيد الحقوق لأصحابها إن استطاع أو يجعلها دَينًا في ذمّته حتى يستطيع.
وقد حذَّرنا الله عزَّ وجلّ من حال الفاسقين حيث قال سبحانه: } ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولَئك هم الفاسقون {(19 الحشر) نسوا الله U فما قدروه حقَّ قدره وغفلوا عن حقِّه ولم يَحرصوا على مرضاته واجتناب سخطه وعقابه وعذابه، وهذا من نتائج ضعف الإيمان به وبالآخرة والجنَّة والنار، وهذا من نتائج الجهل، سواء كان جهلاً بعدم العِلم أو بعدم الاستفادة من العِلم، وكلاهما مذموم، والجاهل بأخبث المنازل ويبغضه الله تعالى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إنَّ الله تعالى يبغض كلَّ عالِمٍ بالدنيا جاهلٍ بالآخرة}(صحيح الجامع) عالِم بمأكله ومشربه وملبسه ومسكنه ومركبه ومكسبه، جاهل بواجباته ومصالحه الأبدية {وطَلَبُ العِلْمِ فريضةٌ على كلِّ مسلم}(صحيح الجامع) فيَجب أن تكون عالِمًا بما أوجبه الله عليك وكيف تقوم به كما يجب، وبما حرَّمه عليك لِتحذَره، أو تكون طالِبًا لهذا العِلْم الواجب واحذر أن تكون ملعونًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إنَّ الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلاَّ ذِكْر الله وما والاه وعالِمًا أو متعلِّما}(صحيح الجامع) } إنَّما يخشَى اللهَ من عباده العلماءُ { العارفون بحقّه وجليل قدره وعظيم سلطانه وشديد عقابه للعاصين وواسع رحمته ومغفرته للمؤمنين المتَّقين.
والهمّ هو أحد أقوَى الدوافع المحرِّكة للإنسان، بل هو الطاقة العليا المحرِّكة للعقل، والهمّ يتولَّد من الغاية، والغاية تثبت بالتربية؛ التربية الذاتية أو الخارجية، فإذا كانت الغاية واضحة وقويّة ومركَّزة كان الهمُّ قويًّا ومركَّزًا في سبيل تحقيق الغاية، وكان العقل قويًّا تبعًا لذلك، وكلّما ضعفت الغاية أو تشعَّبت ضعف الهمّ تبعًا لها وضعف العقل تبعًا لذلك، وهذا الضعف قد يكون عامًّا إذا كان صاحبه بلا هدف، أو يكون في بعض الجوانب، وينتج الفسق إذا ضعف همّ الآخرة، والعلاج يكون بتوجيه العقل إلى الغاية الصحيحة وتثبيته عليها باستمرار، انظر (العقل والهدف) في كتاب (الرزق والغنَى) وانظر كتاب (النجاح العظيم).
وقد يكون ضعف الهمّ من نتائج ضعف العقل بسبب الإسراف في الطعام كمًّا ونوعًا أو بسبب خلل كيمياء الدم، انظر (العقل الأعلى) في كتاب (طريق العافية)، وضعف العقل في هذه الحالة يصاحبه أيضًا ضعفٌ في الحزم، وهذا الضعف الثلاثي يقود حتمًا إلى ضعف التقوَى بحسبه، ويقود غالبًا إلى الفسوق بحسبه إلاَّ إذا غلب همّ الآخرة على القلب، ومع غلبة هذا الهمّ يبقَى أثر هذا الضعف على التقوَى، لذلك حذَّرنا الله سبحانه وتعالى من الإسراف في الطعام مع الوعيد الشديد في قوله: } وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنَّه لا يحبّ المسرفين {(31 الأعراف) لأنَّ الإسراف هو السبب الرئيس لخلل كيمياء الدم وضعف العقل والجسم، وهناك أسباب أخرَى لهذا الخلل والضعف كالعين والسحر والخلل العصبي وغيره، والعلاج يكون بإزالة أسباب الداء وعلى رأسها الذنوب، انظر كتاب (طريق العافية) و(حقيقة التقوَى).
قلت إنَّ الفاسق ضعيف الاهتمام بحقّ الله تعالى لذلك توعَّده بقوله: } فويلٌ للمصلِّين، الذين هُمْ عن صلاتهم ساهون {(الماعون) فكلّ من تساهل في أمر الصلاة الواجبة ولم يحرص على تعلّمها وأدائها كما يجب فهو فاسقٌ داخلٌ في هذا الوعيد، وهو لما سواها من الواجبات أضيَع، لذلك كانت هي مقياس صلاح الأعمال يوم القيامة؛ {إنَّ أوَّل ما يُحاسَب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة، فإنْ صلحت فقد أفلح وأنجح، وإنْ فسدت فقد خاب وخسِر}(صحيح الجامع) } إنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر {(45 العنكبوت) لمن أدَّاها كما يجب.
والفاسق ضعيف الاهتمام بحقوق غيره وحقوق نفسه } نسوا الله فأنساهم أنفسهم { لذا حذَّرنا الله U من عواقب ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: } يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا {(6 الحجرات) لأنَّ الفاسق قليل الاهتمام بنتائج أعماله وأقواله، وهذا دليلٌ آخر على أنَّ وصف الفسق ليس ناتجًا عن فِعل المعصية فقط، بل هو وصفٌ للحالة التي عليها قلب الفاسق والتي تظهر آثارها في تصرُّفاته وتفكيره ونظرته للأمور.
والفاسق يفرح بما أتاه من أمور الدنيا للدنيا } إنَّ الله لا يحبّ الفرحين {(76 القصص) } قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلْيفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون {(58 يونس) أن تفرح بتوفيق الله تعالى لك إلى الإسلام والإيمان والعِلم النافع والتقوَى والإحسان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... وتفرح بما يعينك على مصالح الآخرة من المال الصالح والزوج الصالح والولد الصالح وغيره من المصالح بقصد استخدامها أو الاستفادة منها أو الاستعانة بها في مصالح الآخرة.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم درجة من أشدّ درجات الفسق بقوله: {إنَّ المؤمن يرَى ذنوبه كأنَّه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإنَّ الفاجر يرَى ذنوبه كذبابٍ مرَّ على أنفه فقال به هكذا}(صحيح البخاري) ففي قلب الفاسق هناك بجانب اللامبالاة يوجد أمنٌ وأمانٌ زائفٌ مع ما فيه من الضيق بسبب الفسوق، وكلّما زاد هذا الأمن الشيطاني زاد الفسق وزاد ضيق الصدر، وفي مقابل هذا يوجد خوفٌ كريم في قلب المؤمن التقيّ مع ما فيه من الانشراح والهدوء النفسي والسعادة الحقيقية بسبب التقوَى، وكلَّما زاد هذا الخوف من الله تعالى ومن عواقب الإثم والتقصير في حقّ الله Y زادت التقوَى وزاد انكسار القلب وخشوعه لله U، وقد قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: } وعِزَّتِي لا أجمع على عبدي خَوفَين وأمنَين؛ إذا خافَنِي في الدنيا أمَّنته يوم القيامة، وإذا أمِنَنِي في الدنيا أخَفْته يوم القيامة {(صحيح الترغيب والترهيب وابن حبان).
وهذا الأمن في قلب الفاسق هو من نتائج الغرور؛ الغرور بالله أو بالدنيا؛ إذ اغترّ بنفسه أو بماله، بجاهه، بسلطانه، أو بعمله ولم يعترف بذنبه وتقصيره في حقّ ربّه سبحانه وتعالى، أو اغترّ بربّه U فظنَّ أنَّ الله يغفر له ويرحمه بلا تقوَى ولا توبة، وذلك من نتائج الجهل } يا أيها الإنسان ما غرّك بربِّك الكريم؟ {(6 الانفطار) } يا أيها الناس اتَّقوا ربَّكم واخشوا يومًا لا يجزي والدٌ عن ولده ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئًا إنَّ وعد الله حقّ فلا تغرَّنَّكم الحياة الدنيا ولا يغرَّنَّكم بالله الغرور { (33 لقمان) } أفأمِنوا مكر الله؟ فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون {(99 الأعراف).
وكلّ فاسقٍ هو كافرٌ بنعمة الله جلَّ جلاله بإصراره على استخدامها فيما لا يحبّه الله ويرضاه } وإذ تأذَّن ربُّكم لَئِن شكرتم لأزيدنَّكم ولَئِن كفرتم إنَّ عذابي لَشديد { (7 إبراهيم) فالفاسق هو الكافر بنعمة الله تعالى، والتقيّ هو الشكور، ومن نعم الله U نعمة الوقت وهو الحياة ونعمة القوَّة والمال والجاه والسمع والبصر.
والفسق درَكات؛ فكلّما قلَّ الاهتمام وزاد التساهل والجهل والأمن والغرور في قلب الفاسق زاد بُعده عن الله تعالى وانحطاطه في درَكات الفاسقين، ومن أسوئهم الفاجر المجاهر بفسقه وعصيانه، والمجرم المنافق الذي يبغض الصلاح والصالحين ويسعَى لنشر فساده إلى غيره، والمجرم الذي يظلم الناس، والمتكبِّر المتعالي عليهم، والمترف الجاهل المتشدّق في كلامه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: {شرار أمَّتي الذين غُذُّوا بالنعيم الذين يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدَّقون في الكلام} (صحيح الجامع) وأكثر الفسق وأشدّه من الترف لأنه يربِّي اللامبالاة والغرور في قلوب المترفين، لذلك يأتي التدمير من جانبهم، بينما يُرزق الناس ويُنصرون بضعفائهم؛ قال الله تعالى: } وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقَّ عليها القول فدمَّرناها تدميرا {(16 الإسراء) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {هل تُنصرون وتُرزقون إلاَّ بضعفائكم؟}(صحيح البخاري) {بدعوتهم وإخلاصهم}(صحيح الجامع).
وبين درجات المؤمنين المتقين السابقين ودركات الفاسقين الظالمين أنفسهم هناك درجات المسلمين المقتصدين، قال الله تعالى: } ثمَّ أورَثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقٌ بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير {(32 فاطر) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: {لا يبلغ العبد أن يكون من المتَّقين حتَّى يدَعَ ما لا بأس به حذرًا لما به البأس}(صحَّحه الحاكم والذهبي وحسّنه الترمذي).
والسابق والمقتصد كلاهما يأخذ كتابه بيمينه يوم القيامة وكلّ من زادت حسناته على ذنوبه، ويظهر الفرق بينهم في سعادتهم وانشراح قلوبهم في الدنيا، وحالهم في البرزخ حيث يُعذَّب الفاسق بفسقه، ويوم القيامة يُعامل الناس ويكون حالهم وأمنهم وسلامتهم على قدر أعمالهم، وكذلك تكون سرعتهم على الصراط فوق جهنّم فالسابق سابقٌ كالبرق أو على قدر سبقه والمقتصد مقتصدٌ في سيره والفاسق ضعيفٌ على قدر ضعفه في الدنيا وبعضهم يزحف على بطنه لسنواتٍ طويلةٍ طويلة في مشهدٍ فضيع مخيف رهيب تلفحه النار وتخدشه الكلاليب الجسام ثمّ قد تسقطه ذنوبه في الجحيم فبئس حال الفاسقين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: {إياكم ومحقّرات الذنوب فإنَّهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه}(صحيح الجامع) {البرُّ ما سكنت إليه النفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئنّ إليه القلب، وإن أفتاك الْمُفْتُون}(صحَّحه الألباني والأرنؤوط) {استفتِ نفسك وإنْ أفتاك الْمُفْتُون}(صحيح الجامع) {ما أنكر قلبك فَدَعْه}(صحيح الجامع) {دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك}(صحيح الجامع وابن خزيمة وابن حبان) } فلْيحذر الذين يُخالِفون عن أمره أنْ تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذابٌ أليم {(63 النور).
} يا أيها الناس اتقوا ربّكم إنَّ زلزلة الساعة شيءٌ عظيم، يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمَّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد {(الحجّ) } قال: عذابي أُصِيبُ به من أشاء ورحمتِي وسِعَتْ كلَّ شيء فسأكتبها للذين يَتَّقُون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون {(الأعراف) } إنَّما المؤمنون الذين إذا ذُكِر الله وجِلَت قلوبهم وإذا تُلِيَت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربّهم يتوكّلون، الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، أولَئك هم المؤمنون حقًّا لهم درجاتٌ عند ربّهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريم {(الأنفال) } يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا بالله ورسوله {(النساء) } وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا {(المائدة) فلَيس الخير ودفع عواقب السوء بالتمنِّي } ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يُجْزَ به ولا يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرا {(النساء) } وأمَّا مَن خاف مقام ربِّه ونهَى النفس عن الهوَى، فإنَّ الجنَّة هي المأوَى {(النازعات) } إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلَها { (الإسراء) } فمن يعمل مثقال ذرَّةٍ خيرًا يرَه، ومن يعمل مثقال ذرَّةٍ شرًّا يره {(الزلزلة) } يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولْتنظر نفسٌ ما قدَّمت لغد واتقوا الله إنَّ الله خبيرٌ بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم أولَئك هم الفاسقون، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنَّة أصحاب الجنَّة هم الفائزون {(الحشر) } أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقًا؟ لا يستوون {(السجدة) } إنَّ الذين هم من خشية ربِّهم مُشْفِقُون، والذين هم بآيات ربِّهم يؤمنون، والذين هم بربِّهم لا يشرِكون، والذين يؤتُون ما آتَوا وقلوبهم وجِلَة أنَّهم إلى ربِّهم راجعون، أولَئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون {(المؤمنون) } الذين يقولون ربَّنا إنَّنا آمَنَّا فاغفر لنا ذنوبنا وقِنا عذاب النار، الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار { (آل عمران) } الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبهم بذِكْر الله ألا بذِكْر الله تطمئنّ القلوب {(الرعد) } فاستبقوا الخيرات {(البقرة) } إنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدِّقين والمتصدِّقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات أعَدَّ الله لهم مغفرةً وأجرًا عظيما {(الأحزاب) هذه صفات المتَّقين المستسلمين لله ولأمر الله سبحانه وتعالى الذين قوِي إيمانهم حتى غلب على تفكيرهم وتصرُّفاتهم فخضعوا لله وأطاعوه وصدَقوا في أقوالهم وأفعالهم وصبروا على التقوى فحبسوا أنفسهم عمَّا يعارضها أو يضعفها وخَشَعت قلوبهم لله ربّ العالَمين فبذلوا أموالهم وأنفسهم فيما يحبّ ويرضَى وحفظوها عمّا لا يرضَى وذكَروا الله كثيرًا بأقوالهم وأفعالهم وكلّ تصرُّفاتهم فاستغنوا بذلك عن كلّ ما لا ينفع من القول والعمل } إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولَئك هم خير البريَّة، جزاؤهم عند ربِّهم جَنَّات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي رَبَّه {(البيِّنة).
} كتَب ربّكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءًا بجهالةٍ ثمَّ تاب من بعده وأصلح فأنه غفورٌ رحيم {(الأنعام) } يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبةً نصوحا عسى ربّكم أن يكفِّر عنكم سيّئاتكم ويدخلكم جَنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار {(التحريم) } إنَّ الله يحبُّ التوَّابين ويحبُّ المتطهِّرين {(البقرة) فهل تريد أن تتوب توبةً صادقةً نصوحا؟ إذًا قُلْ ببطءٍ وإخلاصٍ وخشوعٍ وخضوعٍ لله سبحانه: } لا إله إلاَّ أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين(1) {(الأنبياء) {اللهم أنت ربِّي لا إله إلاَّ أنت خلَقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علَيَّ وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت}(2) {اللهم أنت الملك لا إله إلاَّ أنت، أنت ربِّي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلاّ أنت واصرف عنِّي سيّئها لا يصرف عنِّي سيّئها إلاَّ أنت، لَبَّيك وسعديك والخير كلّه في يديك والشرُّ ليس إليك أنا بك وإليك، تباركت وتعالَيت، أستغفرك وأتوب إليك}(3) {اللهم إنِّي ظلمت نفسي ظلمًا كثيرا ولا يغفر الذنوب إلاَّ أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنَّك أنت الغفور الرحيم}(4) {ربِّ اجعلني لك شكّارا ، لك ذكّارا ، لك رهّابا ، لك مطواعا ، لك مخبتا ، إليك أوَّاهًا منيبا}(5) } ربَّنا ظلَمْنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونَنَّ من الخاسرين(6) {(الأعراف) فمن قال ذلك صادقًا من قلبه مع حرصه على ترك المعاصي والبعد عنها وعن أسبابها فقد تاب، ومن وجد في قلبه قسوةً وإعراضًا فعليه بالتكرار مرَّاتٍ ومرَّات لأيام وأسابيع حتَّى يخضع قلبه ويخشع ويلين وينتفي عنه الفسوق برحمة الله تعالى وفضله، ثمَّ احرص بعدها على تكرار ذلك مرَّتين أو أكثر في الصباح والمساء، واحرص على أسباب التقوَى، انظر كتاب (حقيقة التقوَى وفضائلها وتربيتها في القلوب) } ولا تتبع الهوَى فيضِلّك عن سبيل الله إنَّ الذين يضلّون عن سبيل الله لهم عذابٌ شديدٌ بما نسوا يوم الحساب {(ص) } قُلْ أذلك خيرٌ أمْ جَنَّة الخلْد التي وُعِد المتَّقون كانت لهم جزاءً ومصيرا، لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربِّك وعدًا مسؤولا {(الفرقان).
وأسباب الدوام على البرّ والتقوى هي؛ العِلم بالله تعالى وحقّه، والخوف منه سبحانه، وإخلاص العمل له وحده، وتذكُّر الموت وما بعده والجنّة ونعيمها والنار وعذابها، والبيئة الصالحة، والصبر والمصابرة، والاستعانة بالله U والتوكّل عليه، والاستعاذة به من الشيطان وأعوانه وإخوانه، والبعد عن أصحاب السوء، والحذر من العُجْبِ والغرور، ومعرفة عواقب الإثم والفسوق.
ــــــــــــ
(1) هذا دعاء يونس صلى الله عليه وسلم الذي دعا به في بطن الحوت.
(2) قال النبي صلى الله عليه وسلم: {مَن قالها من النهار موقِنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنَّة، ومَن قالها من الليل وهو موقنٌ بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنَّة}(صحيح البخاري) وذلك سيّد الاستغفار.
(3) هذا بعض دعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به إذا قام إلى الصلاة (صحيح مسلم).
(4) وهذا الدعاء علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر t يدعو به في صلاته (متفق عليه).
(5) صحَّحه الترمذي والحاكم والألباني والأرنؤوط.
(6) هذا دعاء آدم صلى الله عليه وسلم وحوّاء بعد أن أكلا من الشجرة المحرّمة.
نافذة على دار النعيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أخي الحبيب: لقد كتبت لك هذه النافذة على دار النعيم، تلك الأمنية الغالية؛ ليطول فكرك في نعيمها وسرورها، ويعظم رجاؤك في طلبها، فإنَّ من رجا شيئاً طلبه، ولست أعني بالرجاء رجاء مَنْ ينهمك في المعاصي مع رجاء العفو من غير توبة، فهذا غرور، وحاله كحال من بثَّ البذر في أرض سبخة ورجا الزرع بعد ذلك، أو كمن انتظر زرع الجنة ببذر النار، أو كمن يزرع السيئات ويريدها حسنات يوم القيامة.
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على اليبسِ
لكن الرجاء المحمود هو الرجاء بعد بذل الأسباب وتأكيدها كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرجُونَ رَحمَتَ اللهِ [البقرة:218]، وأين هذا الرجاء من رجاء رجل ترك الصلاة وارتكب المحرمات، فلمَّا قيل له: فلان، ما هذا؟ قال: الله غفور رحيم! فأجابه: يا هذا، إن الله يقول: وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهتَدَى [طه:82]، فأين التوبة والعمل الصالح؟
أخي الحبيب: الدنيا مزرعة الآخرة. والقلب كالأرض، والإيمان كالبذر فيه، والطاعات تزيده، والمعاصي تنقصه، ويوم القيامة يوم الحصاد، فمن زرع خيراً وجد خيراً، ومن زرع شرَّاً حصد شرَّاً، كما في حديث زيد الخير وفيه: كيف أصبحت؟ قال: أصحبت أحب الخير وأهله، وإذا قدرت على شيء منه سارعت إليه وأيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء حزنت وحننت إليه.
والمقصود أن مَنْ طال فكره في نعيم الجنة وسرورها وما أعدَّه الله فيها من النعيم المقيم الموعود لأهل الجِنان دعاه ذلك إلى حسن العمل.
فيا عجباً لمَنْ يؤمن بدار الحياة التي لا موت فيها ولا سقم، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، كيف لا يطلبها؟ والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان مع الأمن من الموت والجوع والعطش لكان جديراً بأن يهجر الدنيا بسببها، فكيف وأهلها ملوك آمنون، وفي الفرح والسرور يتمتعون، لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذُّ الأعين وهم فيها خالدون، وعلى الدوام بين أصناف النعيم يترددون، ومن زوالها آمنون، ففي الحديث: { ينادي مناد أهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبُّوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً } [رواه مسلم]، فالنعيم الصافي لا مطمع فيه إلا في الجنة.
أما الدنيا فأحلام مشوبة بالنغص، إن ضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرَّت يوماً أحزنت أياماً، وآلامها تزيد على لذَّاتها، أول نعيمها مخاوف وآخره متالف.
لكن نعيم الجنة لا يقدَّر بقدر. ولا يخطر على بال، وكيف يُقدَّر قَدْر دار غرسها الله بيده وجعلها مقراً لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم وملكها بالملك الكبير، وأودعها جميع الخير بحذافيره، وطهَّرها من كل عيب وآفة ونقص، وقد أخبرنا ربنا في كتابه الكريم عما أعدَّه لعباده المترفين في جنَّات النعيم من أصناف المطاعم والمناكح والمساكن والملابس، فأخبرنا أن فيها لبناً وعسلاً وخمراً وماءً ولحماً، وحريراً وفضة وذهباً وفاكهة وحوراً وأنهاراً وقصوراً، وليس بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا إلا التوافق في الأسماء، وكل ما ورد من أخبار عما في دار القرار في جوار رب العالمين يخالف ما هو موجود في هذه الدار كيفيةً وماهيةً مع اتفاقهما في الإسم واختلافهما في الحقائق والطعوم والروائح، فقد أعدَّ الله لمن أطاعه في الجنة ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، ولا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرَّب، يقول الله: فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَّا أُخفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعيُنٍ [السجدة:17].
يقول الإمام المنذري: ( الجنة وأهلها فوق ذلك كله، ومن جملة ذلك النعيم المعد للمؤمنين أنها لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم، ونعيمها دائم في جميع الأوقات، فلا تعتريهم شدة ولا آفة من الآفات، ويقع نعيم أهل الجنة على أتم الوجوه وأحسنها، ولا يترتب على ذلك النعيم ما يترتب على نعيم أهل الدنيا، ففي الحديث: { إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون، ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون } قالوا: فما بال الطعام؟ قال: { جشاء ورشح - أي عرق - كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النَّفَس } [رواه مسلم].
وأهل الجنة لا ينامون لئلا يُشغلوا بالنوم عن الملاذ والحياة الهنيئة، فهم في النعيم مستغرقون، وليسوا كأهل الدنيا ينامون فقد سُئِل رسول الله : أينام أهل الجنة؟ فقال: { النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون } [رواه الطبراني والبزار]. وذلك لكمال حياتهم فيها.
أما نساء أهل الجنة الطاهرات فقد ورد في وصفهن ما يبهر العقول ويدعو كلَّ عبد صالح يرجو الله والدار الآخرة إلى كل عمل صالح مبرور؛ حتى ينال ما وعد الله عباده المتقين من التلذذ بالحور العين، فقد ورد في الحديث { للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين، على كل واحدة سبعون حلة يُرى مخ ساقيها من وراء الثياب } [رواه أحمد]، وذِكْر القليل هنا من الزوجات لا ينافي الكثرة، وهم في تلك الكثرة متفاوتون، فقد ورد عند أحمد وإسناده حسن بأن ( للرجل اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين سوى أزواجه في الدنيا ). وعند أبي يعلى: ( يدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشىء الله وزوجتين من ولد آدم ) [فتح الباري:ج6].
وقد ورد أيضاً في وصف نساء الجنة ما يحرك النفوس إلى المسارعة إلى طاعة رب العالمين، ففي الحديث: { لو أن امرأة من أهل الجنة اطَّلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأتها ريحاً، ولنصيفها على رأسها - يعني الخمار - خير من الدنيا وما فيها } [رواه البخاري]، بل إن الشمس على قوة نورها وضيائها إذا أشرقت في الصباح أطفأت كل نور، وإذا غربت لم يستطيعوا أن يطردوا الظلام كله ولو أضاء الناس كلهم جميع كهرباء الأرض ولكن { لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرفت لملأت الأرض ريحاً ومسكاً، ولأذهبت ضوء الشمس والقمر } [رواه الطبراني].
ومع ذلك فقد سُئِل رسول الله : أنساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ فقال: { بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين } قيل: وبما ذلك؟ فقال: { بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن } [المجمع:ج10].
وورد كذلك في وصف نساء الجنة قوله : { إن الرجل لينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة } [رواه أحمد وإسناده حسن].
أما ما ورد في المزيد في الجنة كما في قوله تعالى: وَلَدَينَا مَزِيدٌ [ق:35] ( أن السحابة تمر بأهل الجنة فتقول: ما تدعون أن أمطركم، قال: فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم ) [رواه ابن المبارك]، قال كثير بن مرَّة: ( لئن شهدت ذلك لأقولن أمطرينا جواري مزينات ).
فنعيم الجنة وما فيها من السرور فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال، فلا يُقاس عليه شيء من نعيم الدنيا مهما كان، فشجرة طوبى لا يقاس عليها شيء، ولا يُوجد لها مثيل في الدنيا، وورد في وصفها ما يبهر العقول ففي الحديث: { إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم وَظِلٍ مَّمدُودٍ } [رواه البخاري ومسلم]، وورد عند أحمد أن رجلاً سأل رسول الله فقال: وما طوبى؟ قال: { شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها }.
أما صفة أهل الجنة الذين يدخلونها فأسنانهم وألوانهم وطولهم واحد، ففي الحديث: { يدخل أهل الجنة جرداً مرداً بيضاً جعاداً مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خَلق آدم ستون ذراعاً في عرض سبعة أذرع } [رواه أحمد].
يقول ابن كثير: ( وفي هذا الطول والعرض والسن من الحكمة ما لا يخفى، فإنه أبلغ وأكمل في استيفاء اللذات، ولأنه أكمل سن القوة مع عظم آلات اللذة، وباجتماع الأمرين يكون كمال اللذة وقوتها بحيث يصل الواحد مائة عذراء، ففي الحديث: أن رجلاً من أهل الكتاب سأل رسول الله فقال: إنك تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال: { نعم والذي نفسي بيده، إن أحدهم ليُعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع } قال: والذي يأكل ويشرب يكون له حاجة والجنة طيبة ليس فيها أذى؟ قال: { حاجة أحدهم عرق هو كريح المسك } [رواه الدارمي].
وسئل رسول الله : أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: { أي والذي نفسي بيده إن الرجل ليفضي في اليوم إلى مائة عذراء } [رواه الطبراني]، بل ورد { أن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم في الجنة عُدن أبكاراً } [رواه الطبراني أيضاً]، فهم مع أزواجهم في الجنان في غاية الأماني والأمان، نسأل الله من فضله.
وأهل الجنة في ازدياد من قوة الشباب ونضرة الوجوه وحسن الهيئة وطيب العيش وذلك على الدوام وَفِى ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، و لِمِثلِ هَذَا فَليَعمَلِ العَامِلُونَ [الصافات:61].
أما أخلاق أهل الجنة وقلوبهم فكما قال تعالى: وَنَزَعنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّن غِلٍ إِخوَاناً عَلَى سُرُر مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47]. وفي الحديث: { لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يُسبحُون الله بُكرة وعشية } [رواه البخاري].
أما ما ورد في ذكر ريح الجنان وطيبه وانتشاره حتى إنه ليشمُّ من مسيرة سنين عديدة ومسافات بعيدة فشيء لا يخطر ببال، ففي الحديث: { تراح رائحة الجنة من مسيرة خمسمائة عام، ولا يجد ريحها منان بعمله ولا عاق ولا مدمن خمر } [رواه الطبراني]. سبحان الله العظيم، هل يوجد في هذه الدنيا دار أو طيب يوجد ريحها أو ريحه من مسيرة ساعة فقط، لكن ريح الجنان يوجد من مسافات بعيدة.
أما ثمار الجنة فليست كثمار الدنيا، إن ثمار الدنيا تأتي في بعض الفصول ولا تأتي في وقت آخر، وتكتسي أشجارها بالأوراق في وقت وتسقط في وقت آخر، أما ثمار الجنة فأُكُلها دائم لا ينقطع أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلكَ عُقبَى الَّذِينَ اتَقَواْ [الرعد:35].
وثمار الجنة سهلة المنال قريبة المتناول حتى لو كانت الثمار في أعالي الأشجار فأراد أخذها لاقتربت منه وتذللت إليه تذليلاً وَذُلِلَت قُطُوفُهَا تَذلِيلا [الإنسان:14]. وما في الجنة شجرة إلا ولها ساق من ذهب وتربتها زعفران ومسك فما ظنك بما يتولد منها، إنه لا يخرج منها إلا الثمار الراتقة الناضجة الأنيقة.
أما صفة ثمر الجنة ففي الحديث { ثمر الجنة أمثال القلال والدلاء أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، وليس فيه عجم } [رواه ابن المبارك]. بل ثبت أن الرجل إذا قال: ( سبحان الله وبحمده )، غرست له نخلة في الجنة.
أما خيام أهل الجنة فليست كخيام الدنيا. ففي الحديث: { إن للمؤمن لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً } [رواه البخاري].
أما أعلى نعيم الجنان فشيء عظيم يبهر العقول ويشوَّق النفوس، وذلك إذا كَشف الرب جل جلاله الحجاب، وتجلَّى لأهل الجنان نسي أهل الجنة ما هم فيه من النعيم وشُغلوا عن الجنان وعن الحور العين بالنظر إلى رب العالمين، وذلك لكمال جلاله سبحانه وتعالى.
وذكر ابن كثير عن أبي المعالي الجويني أن الربَّ تبارك وتعالى إذا كشف لأهل الجنة الحجاب وتجلى لأهل الجنة تدفقت الأنهار، واصطفت الأشجار، وتجاوبت السرر والغرفات بالصرير، وغردت الطيور وأشرقت الحور العين. قلت: ومع هذا كله فإن أهل الجنان يشغلون عما هم فيه بالنظر إلى الرب تبارك وتعالى نسأل الله العظيم أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم.
وفي الحديث: { إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيّض وجوهنا، ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟! قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم } [رواه أحمد وصححه الألباني].
ومن أحسن ما قال الشعراء وفصحاء الأدباء في الجنة:
فحلت سويدا القلب لا أنا باغياً *** سواها ولا عن حالها أتحول
يقول الله: خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبغُونَ عَنهَا حِوَلا [الكهف:108]. فكيف بأهل الجنة إذا ذبح الموت بين الجنة والنار، وذلك عندما { يؤتي بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقول: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون. ويقول: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون. ويرون أنه قد جاء الفرج فيذبح الموت ويقال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، فازداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، وازداد أهل النار حزناً إلى حزنهم } [رواه أحمد والبخاري]، وزاد ابن أبي الدنيا: ( فيأمن هؤلاء، وينقطع رجاء هؤلاء ).
واعلم أخي الحبيب أن الجنة لا تُنال بالأماني واتباع الهوى، ولا سبيل إليها ولو تمنى المتمنون إلا بطاعة الله ورسوله، قال : { كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى } قالوا: ومَن يأبى يا رسول الله؟ قال: { مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى }. واحذر من نفسك فإنها عقبة كؤود، وفي هذه العقبة أودية وعقبات ولصوص يقطعون الطريق على السالكين ولا سيما أهل الليل المدلجين، فإذا لم يكن معهم عُدة الإيمان ومصابيح اليقين تعلقت بهم تلك القواطع، وفي الحديث: { مَنْ خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا سلعة الله الجنة } [رواه الترمذي]، وكلما رقى السائر في ذلك الجبل اشتد به الصياح والتخذيل والتخويف، فإذا لم يلتفت إليه وبلغ قلته انقلبت تلك المخاوف كلهن أماناً ورأى طريقاً واسعاً آمناً يفضي به إلى أعلى المنازل والمناهل، وعليه الأعلام وفيه الإقامات قد أعدت لركب الرحمن، فما بينك وبينها إلا قوة العزيمة وصبر ساعة وشجاعة نفس ودعاء عريض، والكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.
قد هيؤك لأمر لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
واعلم أن سلعة الله غالية، وأن دونها أهوال وكروب وهموم، ففي الحديث: { حُفت الجنة بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات } فحفت الجنة بالمكاره والأعمال الشاقة من فعل الخيرات وترك المحرمات ولكن داخلها فيه من اللذات والمسرات ما لا يخطر ببال، وحفت النار بالشهوات شهوات الغي في البطون والفروج ومضلات الهوى والفتن وهي سهلة لكن من دخل النار فداخلها كله مضرات وحشرات وعذاب فظيع.
نسأل الله العظيم أن يُقسم لنا من خشيته ما يحول بيننا وبين معصيته، وأن يهب لنا من الطاعة ما يبلغنا به جنته بمنه وكرمه، وأن يرزقنا لذَّة النظر إلى وجهه الكريم والشوق إلى لقائه في غير ضرَّاء مضرَّة ولا فتنة مضلة، وأن يرزقنا رضوانه الأكبر والفردوس الأعلى.
يتـــــــــــــــــــبع
لحظات الحب هي اللحظات التي تخلد في أذهاننا وتحمل كل معاني السعادة فلا تندم على لحظة حب عشتها حتى ولو صارت ذكرى تؤلمك فإذا كانت الزهرة قد جفت وضاع عبيرها ولم يبقى منها غير الاشواك ، فلا تنسى انها منحتك يوماً عطراً جميلاً أسعدك ؛لا تكسرأبداً كل الجسور مع من تحب ، فربما شاءت الاقدار لكما يوماً لقاءاً آخر يعيد ما مضى ويوصل ما أنقطع فإذا كان العمر الجميل قد رحل ،فمن يدري فربما ينتظرك عمر أجمل وإذا قررت أن تترك حبيباً أو صديقاً فلا تترك له جرحاً يؤلمه
|